السيد محمد باقر الصدر
مقدمة 51
المعالم الجديدة للأصول ( طبع جديد )
كما سنرى . الاتّجاهات المتعارضة في الإدراك العقلي : وقد شهد تاريخ التفكير الفقهي اتّجاهين متعارضين في هذه النقطة كلّ التعارض ، يدعو أحدهما إلى اتّخاذ العقل في نطاقه الواسع الذي يشمل الإدراكات الناقصة وسيلة رئيسية للإثبات في مختلف المجالات التي يمارسها الأصولي والفقيه . والآخر يشجب العقل ويجرّده إطلاقاً عن وصفه وسيلةً رئيسيةً للإثبات ، ويعتبر البيان الشرعي هو الوسيلة الوحيدة التي يمكن استخدامها في عمليات الاستنباط . ويقف بين هذين الاتّجاهين المتطرِّفَين اتّجاه ثالث معتدل يتمثّل في جُلِّ فقهاء مدرسة أهل البيت عليهم السلام ، وهو الاتّجاه الذي يؤمن - خلافاً للاتّجاه الثاني - بأنّ العقل أو الإدراك العقلي وسيلة رئيسية صالحة للإثبات إلى صفّ البيان الشرعي ، ولكن لا في نطاقٍ منفتحٍ كما زعمه الاتّجاه الأول ، بل ضمن النطاق الذي تتوفّر فيه للإنسان القناعة التامّة والإدراك الكامل الذي لا يوجد في مقابله احتمال الخطأ ، فكلّ إدراكٍ عقليٍّ يدخل ضمن هذا النطاق ويستبطن الجزم الكامل فهو وسيلة إثبات ، وأمّا الإدراك العقلي الناقص الذي يقوم على أساس الترجيح ولا يتوفّر فيه عنصر الجزم فلا يصلح وسيلة إثباتٍ لأيِّ عنصرٍ من عناصر عملية الاستنباط . فالعقل في رأي الاتّجاه الثالث أداة صالحة للمعرفة ، وجديرة بالاعتماد عليها والإثبات بها إذا أدّت إلى إدراك حقيقةٍ من الحقائق إدراكاً كاملًا لا يشوبه شكّ . فلا كفران بالعقل كأداةٍ للمعرفة ، ولا إفراط في الاعتماد عليه فيما لا ينتج عنه إدراك كامل .